من مقومات نضال الاتحاد العام للشغالين بالمغرب التي رسخت في سلوكيات مناضليه لحل المشاكل و تجاوز الصعوبات و تدليلها لن تتحقق دوما بتقديم وسائل الاحتجاج و الاحتكاك و التصادم على الحوار و التفاهم و محاولة البحث عن أنجع الصيغ لتوفير السلم الاجتماعي و هدا ما رسخ ثقافة الحوار عند مناضليه و جعل التحلي بها علامة متميزة في علاقات الشغل الفردية و الجماعية.
و إدا كان الاتحاد العام للشغالين بالمغرب قد رفع شعار * الشراكة * و جعل من نقاباته النقابة المساهمة فإنه يؤمن بأن التعاون و التكافل داخل المؤسسة يعد أحد الركائز التي تصون المؤسسة و تدفع إلى ازدهارها على قاعدة حماية حقوق جميع الأطراف في المؤسسة ، عمالا و أرباب عمل و لأن ثقافة الحوار في صيرورة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب أصبحت منهاجا و سلوكا يتجنب المؤسسة في القطاع الخاص أو المرفق العمومي في القطاع العام و شبه العام كثيرا من الانزلاق و المخاطر التي تعصف بالاستقرار في الأولى و بالسلم الاجتماعي في الثانية ، فقد أصبحت مسؤولية و التزاما تفرض على المسؤولين النقابيين في المنظمة التقيد بها و توفير شروطها و السعي لانجازها وعيا منهم أن كل هدا ينبغي أن يقابله نفس السلوك من الطرف الآخر في دورة الإنتاج ، بعيدا عن التصلب و التعسف و الإصرار على عدم التفاهم الذي يؤدي أحيانا إلى الطرد الجماعي و الإغلاق و تشريد الأسر و يساهم في تأزيم الوضع الاجتماعي و تعزيز نسبة البطالة بأفواج جديدة من العاطلين.
إرادة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب في جعل الحوار أولوية أساسية تلتقي مع إرادة منظمة العمل الدائم و السعي الدؤوب إلى توفير كل شروط تحقيقه ، دفعت قيادته على المطالبة بمأسسة الحوار الاجتماعي في كل اللقاءات و الحوارات التي أجريت مع الحكومة عبر سنوات خلت ، لأن الحكومة كانت تلد للحوار فقط لإخماد الاحتجاجات التي تحس بأنها تمثل خطرا على النظام العام و تهدد مباشرة الأمن العام و تقوض ما يسمى بالسلم الاجتماعي عموما.
و رغم إدراك الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بأن الحوارات التي كانت تدعو لها الحكومات السابقة قبل حكومة التناوب هي حوارات موسمية تتأرجح أحيانا بين هدف الحكومة في امتصاص الغضب و تهدئه الخواطر و أحيانا أخرى لربح الوقت و تهدئة الجبهة الداخلية ، فالهاجس الأمني هو الرهان الأكبر الذي سعت تلك الحكومات لتحقيقه دون اعتبار للمكاسب التي تجنيها الطبقة العاملة ، فما قد يتحقق منها هو المقابل الذي تدفعه الحكومة ثمنا لتوفير السلم الاجتماعي ، و هدا ما تجلى جليا حينما عين الملك الراحل وزيرا للداخلية رئيسا للحوار الاجتماعي ، فكان يدير تلك الحوارات بمزاجية و بعقلية القدرة على توفير الاعتمادات لتنفيذ بعض المطالب النقابية أحيانا خارج الإرادة الحكومية أو ميزانيتها المهيأة سابقا.
و مع دلك فإن إضراب 14 دجنبر 1990 و الأحداث الناجمة عنه و ما تعزيز من تنسق بين الاتحاد العام للشغالين بالمغرب و الكنفدرالية الديمقراطية للشغل جعل من أن الحكومة أصبحت تفكر بجدية في حل المشاكل المتراكمة للطبقة العاملة بعدما أدركت بأن استفحال أزمتها و اندحار قدرتها الشرائية أمام ضعف الأجور و ارتفاع مستوى الأسعار ، و تم تأسيس مجلس استشاري للحوار الاجتماعي لم يؤد دوره كاملا أمام هيمنة رئيسه وزير الداخلية الأسبق فهو من قام بالمهمة دون الاستعانة بهدا المجلس.
و للتاريخ النقابي فإن الحوار الاجتماعي الذي نتج عنه اتفاق فاتح غشت 1996 قد بدأ بحوار قطاعي في التربية الوطنية للتعليم – ك د ش – هددت من خلاله النقابات التعليمية بعد خوض سلسلة من الإضرابات الناجحة و التي شلت القطاع و تنظيم مسير احتجاجية وطنية كبرى في البيضاء حدد لها 14 أبريل 1996 موعدا، فما كان من وزير الداخلية إلا أن تدخل على الخط و أصبح يشرف على الحوار بين النقابتين التعليميتين ووزارة التربية الوطنية و تم تعويمه فيما بعد لتحل المركزيات النقابية الثلاث – ا ع ش م / ك د ش / ا- م- ش – محل النقابتين التعليميتين اللتين أجبرتا على قبول الاتفاق و الرضى بما خصص من تعويضات صرفت بعد سنة من الاتفاق و على مدى ثلاث سنوات سلوك الحكومة في جولات الحوار خلال تلك الفترات كان يعتمد المناورة و نية الإيقاع بالنقابات ، و لم يكن هدا ادعاء من النقابات بل أثبت التجربة أنه لا اتفاق فاتح غشت 1996 و لا اتفاق فاتح محرم نجا من الحكومة في تطبيق بعض نقط الاتفاق عالقة إلى يومنا هذا :
- حذف السلاليم الدنيا من 1 إلى 4
- نسبة 2 % التي تساهم بها الباطرونا في صندوق يخصص للسكن
- الاعتمادات التي مخصصة للاتفاق الأول بين النقابتين التعليميتين و الحكومة هي التي عممت على سائر القطاعات.
الحوار الاجتماعي في عهد حكومة التناوب التوافقي.
1- حكومة السيد عبد الرحمان اليوسفي تأخرت بداية الحوار الاجتماعي في هده الحقبة الحكومية لفترة ناهزت خمس سنوات في سنة 2002 فتح الحوار النقابي الحكومي مع النقابات التعليمية التي شنت بعض الاضرابات الاندارية للفت انتباه الحكومة إلى المماطلة التي كانت تبرز في عدم التعاطي مع الاتفاق الذي أنجز بين النقابات التعليمية ووزارة التربية الوطنية و الذي تضمن شقين أساسيين .
- شق متعلق بنظام أساسي جديد لموظفي وزارة التربية الوطنية حددت تكلفته بأكثر من 500 مليون درهم .
- شق ثاني متعلق بنظام للتعويضات حددت النقابات التعليمية تكلفته ب 5 ملايير درهم ، و أثناء الحوار الذي اشرف عليه الوزير الأول آنذاك عبد الرحمان اليوسفي تم الضغط على النقابات التعليمية لقبول نظام للتعويضات يكلف الميزانية 4 ملايير درهم في جلسة حوار ماراطوني استمرت إلى ما بعد 12 ليلا.
كان الاتفاق السابق مع الحكومة و النقابات التعليمية ارهاصا لسلسلة من الاحتجاجات في القطاعات الأخرى منادية في إنصافها على غرار ما جرى بالنسبة للتعليم و الصحة بعد دلك ، وفتحت الحكومة حوارات قطاعية كان يرأسها الوزير الأول شخصيا الأمر الذي أدى على كثير من الاتفاقيات لإرضاء النقابات القطاعية ، و كان مفتاح الحل هو الاتفاق مع المركزيات النقابية و الحكومة حول المتصرفين ، فتم تعميمه على كافة الأطر الممثلة ، و تميزت هده الفترة وبفتح حوار جدي حول إصلاح نظام التقاعد و تعميم التغطية الصحية.
بعد خمسة أشهر فقط من وصول السيد عباس الفاسي على الوزارة الأولى ، فتح حوارا اجتماعيا مع المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية استغرقت شهرين متتابعين ، و رغم أن هدا الحوار اجري في ظروف داخلية و خارجية عسيرة ترتبط الأولى بإرادة سياسية عليا في عقلنة المشهد السياسي ووضع حد للتشويش عليه و محاولة ارباكه لثني الحكومة عن المضي قدما لإيجاد حلول تعكس رغبة الحكومة الجديدة و إرادتها بالتعاطي مع ما تطرحه المركزيات النقابية بالجدية المطلوبة.
أما الظروف الخارجية فتميزت بارتفاع أسعار النفط على مستوى قياسي نتج عنه ارتفاعات متتالية في جل المواد الأساسية التي يستوردها المغرب من الخارج رغم اتفاق الحكومة بهدا الجهد الإضافي متلت العروض الحكومية التي بلغت 17 مليار درهم بداية الاستجابة لكثير من المطالب النقابية اعتبرها الاتحاد العام للشغالين بالمغرب و بحس وطني مسؤول يستعرض كافة المعطيات السابقة ، مؤمنا بان البداية المشجعة في الحوار تفتح للاتحاد آمالا عريضة في تحقيق بعض المطالب العالقة مند سنوات . المدخل الأساسي لدلك هو استجابة الحكومة الحالية لمأسسة الحوار الاجتماعي بتحديد شهري شتنبر و ابريل من كل سنة موعدا لجولات هدا الحوار و تعزز هدا الاختيار بتأسيس الملك للمجلس الاقتصادي و الاجتماعي.
الزيادة في الأجور و رفع السقف المعفى من الضريبة العامة على الدخل و تخفيضها و الزيادة في التعويضات العائلية و تعميمها لأول مرة على عمال القطاع الفلاحي الدين حرموا منها على طيلة الحقب السابقة، اعتبرها الاتحاد العام للشغالين بالمغرب مداخل لا ينبغي تبخيسها للتعاطي مع حوار اجتماعي جدي يعزز الثقة بين الحكومة و شركائها الاجتماعيين و يعتمد التفاهم وسيلة لترسيخ ثقافة الحوار و تحقيق المطالب بعيدا عن التشنج و خلق التوترات و استحضار الحسابات الخاصة البعيدة عن آمال و طموحات الطبقة العاملة .